أحمد بن محمد المقري التلمساني
50
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
بالله الشبلي « 1 » لما وفد إلى حضرة الجود : [ الخفيف ] قلت للقلب إذ تراءى لعيني * رسم دار لهم فهاج اشتياقي هذه دارهم وأنت محبّ * ما احتباس الدموع في الآماق والمغاني للصّبّ فيها معاني * فهي تدعى مصارع العشّاق حلّ عقد الدموع وأحلل رباها * واهجر الصّبر وارع حقّ الفراق ثم أكملت العمرة ، ودعوت اللّه أن أكون ممّن عمر بطاعة ربّه عمره ، وذلك أوائل ذي القعدة من عام ثمانية وعشرين وألف من الهجرة السنيّة ، وأقمت هنالك منتظرا وقت الحجّ الشريف ، ومتفيّئا ذلك الظلّ الوريف ، ومقتطفا ثمار القرب الجنيّة ، إلى أن جاء الأوان ، فأحرمت بالحجّ من غير توان ، وحين حللت مما به أحرمت ، نويت الإقامة هنالك وأبرمت ، فحال من دون ذلك حائل ، وكنت حريّا بأن أنشد قول القائل : [ الكامل ] هذي أباطح مكة حولي وما * جمعت مشاعرها من الحرمات « 2 » أدعو بها لبّيك تلبية امرئ * يرجو الخلاص بها من الأزمات نلت المنى بمنى لأني لم أخف * بالخيف من ذنب أحال سماتي وعرفت في عرفات أني ناشق * للعفو عرفا عاطر النّسمات « 3 » وأن أتمثّل في المطاف ، إذ حفّتني الألطاف ، بقول من ربعه بالتقوى مشيد ، البغدادي الشهير بابن رشيد : [ الطويل ] على ربعهم للّه بيت مبارك * إليه قلوب الناس تهوي وتهواه « 4 » يطوف به الجاني فيغفر ذنبه * ويسقط عنه جرمه وخطاياه وكم لذة أو فرحة لطوافه * فللّه ما أحلى الطواف وأهناه ثم قصدنا بعد قضاء تلك الأوطار ، طيبة « 5 » الشريفة التي لها الفضل على الأقطار ، واستشعرت قول من أنشد وطير عزمه عن أوكاره قد طار : [ الطويل ]
--> ( 1 ) هو أبو بكر دلف بن جحدر - صاحب الجنيد - المتوفى سنة 334 ه ( راجع وفيات الأعيان ج 2 ص 39 ، وحلية الأولياء ج 10 ص 366 ) . ( 2 ) المشاعر : جمع مشعر ، وأراد به هنا المكان من الأمكنة يؤدى فيها شيء من مناسك الحج أو العمرة . ( 3 ) العرف : الرائحة الطيبة . ( 4 ) أخذه من قوله تعالى : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ . ( 5 ) في ب : لطيبة . وطيبة : هي المدينة المنوّرة .